الأربعاء، 08 شوال 1445هـ| 2024/04/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإرهاب بين روسيا وأمريكا

اختلاف الرواية وجذور الحكاية

 

اختلاف الرواية

 

لم تكتمل فرحة بوتين بمسرحية انتخابه رئيسا لروسيا لولاية خامسة، حتى تفاجأ نظامه بتنفيذ مجزرة استهدفت قاعة للحفلات الموسيقية في إحدى ضواحي موسكو، في هجوم هو الأعنف والأكثر دموية في البلاد منذ حوالي عقدين من الزمن، حيث راح ضحيته 143 شخصا على الأقل بحسب الإحصائيات الرسمية.

 

وفيما تؤكد وسائل الإعلام الغربية ووكالات الأنباء العالمية وقوف تنظيم الدولة وراء هذه العملية النوعية التي ضربت العمق الروسي استنادا إلى فيديو مسرب من مكان الحادثة يتباهى فيه منسوبون إلى هذا التنظيم بارتكاب المذبحة، فإن الجهات الرسمية في روسيا أصرت على تكذيب هذه الروايات واعتبارها الشجرة التي تحجب غابة الإجرام المخابراتي تحت غطاء (الإرهاب).

 

ففي الوقت الذي يقول فيه مسؤولون أمريكيون إن لديهم معلومات مخابراتية تظهر أن فرع التنظيم في أفغانستان، تنظيم الدولة "خراسان"، هو الذي نفذ الهجوم، فضلا عن وجود تحذير أمريكي بريطاني مشترك ومسبق، فقد نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن ألكسندر بورتنيكوف مدير جهاز الأمن الاتحادي الروسي إف إس بي قوله يوم الثلاثاء 2024/03/26 إن الولايات المتحدة وبريطانيا وأوكرانيا تقف وراء هذا الهجوم، فيما صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الأربعاء 2024/03/27 إنه "من الصعب للغاية تصديق" أن تنظيم الدولة كان لديه القدرة على شن الهجوم على قاعة الحفلات الموسيقية في موسكو، وأضافت بقولها "إن الغرب سارع إلى إلقاء المسؤولية على تنظيم الدولة كوسيلة لصرف اللوم عن أوكرانيا والحكومات الغربية التي تدعم كييف".

 

أما بوتين الذي طالما أشرف على صناعة وتصدير (الإرهاب) عبر فاغنر ومرتزقتها، ومعاضدة جهود أمريكا في نشر الخراب في سوريا وليبيا والسودان، فقد صرح قائلا: "تحاول الولايات المتحدة إبعاد الشبهات عن كييف في هجوم موسكو الإرهابي، والقول بأن الهجوم نفذه أتباع الإسلام، وأعضاء تنظيم الدولة المحظور في روسيا. نحن نعرف على يد من ارتكبت هذه الجريمة ضد روسيا وشعبها، نريد أن نعرف من أمر بذلك"!

 

جذور الحكاية

 

ربما لا نغالي إذا قلنا إنّ بوتين هو من أكثر رؤساء العالم إدراكا لحقيقة الصناعة الغربية للإرهاب وإلصاقه بالمسلمين المتشددين من أجل تشويه مشروع الخلافة الحضاري الذي يوقف مسار المتاجرة بدماء الأبرياء عبر العالم تحت غطاء (الحرب على الإرهاب). فعبوره إلى الكرملين، مرّ من طريق الجوسسة والمخابرات، منذ كان جاسوسا سوفياتيا في ألمانيا، إلى أن حكم بلده بعقلية الكي جي بي، ولم تكن أمريكا لتسلم إرث الاتحاد السوفياتي بعد إسقاطه وتتفرغ لمناكفة المشروع الإسلامي الصاعد، إلا لمن رضي السير في ركاب نظام رأسمالي عالمي أحادي القطب، اتخذ من (الحرب على الإرهاب) حجر الزاوية لفرض بقائه وتمدده، وقد وجدت ضالتها في شخص بوتين الذي عايش اللعبة المخابراتية بجميع مراحلها وتفاصيلها.

 

فقد اتفقت كل من الاستخبارات الأمريكية والاستخبارات البريطانية في ندوة عقدت لهذا الغرض عام 1979م على أن الإرهاب هو "استعمال العنف ضد مصالح مدنية لتحقيق أهداف سياسية". ومنذ ذلك الوقت، وُضعت (الحرب على الإرهاب) في قلب السياسة الخارجية الأمريكية، ثم استطاعت أمريكا تعميم صفة الإرهاب على الأفراد والجماعات وحتى الدول التي تتعرض لمصالحها على غرار كوريا الشمالية (التي أعادها ترامب إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم إسقاطها من هذه القائمة سنة 2008)، وجعلت من صفة الإرهاب سلاحا تشهره في وجه من يعارض مشروع الهيمنة الأمريكية مستغلة وقوع بعض الأعمال الإرهابية التي ثبت لاحقا أنها مرتبطة برجالات الاستخبارات المركزية الأمريكية على غرار اختطاف طائرة TWA في بيروت بداية الثمانينات، إلى أن تمكنت من استصدار قانون الإرهاب سنة 1997. وبذلك أصبح قانون الإرهاب الذي تبنته أمريكا وفرضت اعتماده دوليا أحد الأسلحة الاستراتيجية التي تستعملها لإحكام قبضتها على العالم، وخاصة على الجزء الذي فيه قابلية التمرد على السياسة الأمريكية.

 

وعند إعلان النفير المخابراتي الأفغاني الذي هندسه بريجنسكي في تسعينات القرن الماضي، لم تعتبره أمريكا إرهابا ما دام يخدم مصالحها، وإنما وظفت فيه أبناء المسلمين كدروع بشرية ليخوضوا معركة الجهاد المقدس ضد الاشتراكية وتعلن بالنيابة عنهم انتهاء حقبة الاتحاد السوفياتي. وبعد أن ألقت الحرب أوزارها، بقي بعضهم في أفغانستان وانتقل المئات من المقاتلين العرب المدربين إلى البلدان الغربية لأنهم يدركون المصير الذي ينتظرهم إذا عادوا لبلدانهم، وقد بقي هؤلاء محطّ اهتمام جهات مخابراتية عدّة. فالأنظمة الأوروبية تنظر إليهم في توجس وخيفة، حيث كان صعبا عليها تقبل وجود مقاتلين محنكين وذوي خبرة قتالية عالية يسرحون ويمرحون على أراضيها، ما دفعها لتضييق الخناق عليهم والتعامل معهم بحذر مفرط.

 

هذه المعاملة، جعلت معظمهم يشعر بالضيق والاختناق ويبحث عن مسارات تفريغ طاقاته المخزونة، ما جعلهم فريسة سهلة لمجموعات أخرى أحاطت بهم وأولتهم العناية والاهتمام اللازمين، ثم قامت بعد استعمال بعضهم في أفغانستان بجلب معظمهم لاحقا إلى معركة "الجهاد المقدس" في العراق، أين برزت فكرة الشركات الأمنية الخاصة التي تعوض الجيوش النظامية، على غرار شركة بلاك ووتر الأمريكية، وهي الفكرة التي تفتقت عنها أذهان المحافظين الجدد.

 

فتكوين جيوش من المرتزقة عبر شركات عسكرية خاصة وخوض الحرب بالمناولة سيمكن حكام الولايات المتحدة من الاستفادة من قسط كبير من الميزانية الأمريكية المخصصة للحرب، لهذا دفعوا بكل قوتهم نحو دفع الاعتمادات التي وافق عليها الكونغرس الأمريكي بفضل الهبات والرشاوى المقدمة لأعضائه. كما أن قتلى الشركات الأمنية لا يصنّفون ضمن قتلى الجيش، وهذا يقلل الخسائر الرسمية التي سيواجهون بها الرأي العام الأمريكي، خصوصا وأن أغلب المتطوعين للحرب كانوا يسجلون باسم الشركات الأمنية وليس باسم الجيش الأمريكي.

 

من أجل ذلك، كانت الاستعانة بجيش مواز للجيش الأمريكي لا تطبق عليه أي قوانين أو مساءلة، فكرة تراود أذهان كثير من الساسة الأمريكيين، مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق منذ بداية التسعينات. فقد صرح رامسفيلد أكثر من مرة برغبته في تحول واسع في إدارة البنتاجون لوزارة الدفاع وإحلال نموذجٍ جديد مكان البيروقراطية القديمة لوزارة الدفاع يرتكز على القطاع الخاص. ومن هنا بدأت رحلة الشركات الأمنية الخاصة للانضمام لركب "الحرب الشاملة على الإرهاب" التي ستدار وفقا لعقلية جنرالات الحرب في البنتاجون، والتي كانت مهمتها إمداد الجيش الأمريكي بآلاف من الجنود المرتزقة المدربين على أعنف وأبشع وأحط الأساليب القتالية في الحروب.

 

ثم أصبحت الشركات الأمنية التي تخوض حروبا بالوكالة موضة رائجة لدى القوى الكبرى ولم يعد الأمر حكرا على أمريكا، وصار لكل شركة جيش من المرتزقة هو خليط من عديد الجنسيات، فنجد شركة جي فور آس (وهي شركة متعددة الجنسيات بريطانية الأصل للخدمات الأمنية، وصفها البعض بأنها أكبر "جيش خاص" في العالم نظرا لرقم معاملاتها)، ومجموعة فاغنر الروسية الموجودة في الشرق الأوسط وفي عدد من بلدان أفريقيا، وشركة "صادات" الدولية للاستشارات الدفاعية والتدريبات العسكرية، وهي شركة تركية شبه عسكرية ثبت وجودها في سوريا وليبيا. ومع ذلك كلّه فقد بقي لرأس الكفر أمريكا اليد الطولى في تصنيع وتفريخ الإرهاب الدولي العابر للقارات.

 

الإرهاب مؤشر إفلاس حضاري

 

هذه الحقيقة الساطعة (الصناعة الأمريكية للإرهاب)، يدركها النظام الروسي جيدا، لأنه كان يشارك أمريكا حفل الشواء البشري الذي أقيم في سوريا حفاظا على الطاغية بشار أسد، بل هو من أعلنها حربا صليبية مقدسة ضد الخلافة وجاء بقدميه ليدنس مسجد صلاح الدين الأيوبي، وهو من أرسل مرتزقته للتفنن في قتل المسلمين وحرقهم أحياء جنبا إلى جنب مع مرتزقة أمريكا وعملائها، ولذلك فإن صناعة الإرهاب من قبل المخابرات الدولية ليست أمرا جديدا بالنسبة إليه، بل جرم تورط فيه هو الآخر، ولا تزال يداه تقطران بدماء الأبرياء في بلاد المسلمين. أما من حيث استهدافه من قبل أمريكا، فإن وجود بضعة "ذئاب منفردة" على الأراضي الروسية اليوم، لا يقارن بمشاركة آلاف المقاتلين في إسقاط الاتحاد السوفياتي بدعم وإسناد مخابراتي أمريكي، ولذلك فإن البعرة تدل على البعير.

 

ولذلك يمكننا القول بأن بوتين الذي كان بالأمس شريكا لأمريكا في صناعة (الإرهاب)، قد وجد نفسه على موعد مع خازوق أمريكي يكتوي فيه بنار إجرامها وإرهابها، وهي التي أغرقته في مستنقع أوكرانيا واستماتت في تركيعه، وهذا هو سبب رفضه للرواية الأمريكية الرسمية.

 

ختاما، فإن الإسلام قد اتخذته أمريكا عدوا لها بعد زوال الشيوعية، ولذلك هي ماضية في تشويه الإسلام من خلال مزيد صناعة الإرهاب ونسبه إلى المسلمين من جهة، وفرض تطبيق قانون الإرهاب على الجميع من جهة أخرى، تعينها في ذلك دول الشرق والغرب على حد سواء، في زمن استفاقت فيه الشعوب على حقيقة السقوط القيمي والانحدار الحضاري والنفاق السياسي للنظام العالمي بصيغته الحالية.

 

ومع ذلك نجد أن روسيا قد أصرت على رفض الرواية الأمريكية حين أصبحت ضحية لهذا الإرهاب، في الوقت الذي تحمل فيه الأنظمة في بلاد المسلمين لواء محاربة الإرهاب على المذهب الأمريكي، ولا يجرؤ أحد من حكامها على رفض روايات ومقاربات وتحالفات أمريكا حين يتعلق الأمر بـ(الحرب على الإرهاب)، رغم ضبابية التعريف، بل رغم كونها الراعية الأولى للإرهاب عالميا، فهي من يضخم الإرهاب ولو كان المستهدف مجرم حرب، وهي أكبر متستر عليه ولو أبيدت شعوب بأكملها، وما حدث من قتل وتدمير وتهجير في بلاد الشام وغزة هاشم عنا ببعيد، ومع ذلك لم يشبع حقد أمريكا من دماء المسلمين، بل لا تزال تضخ الأموال والمساعدات العسكرية لكيان يهود المحتل الغاصب الذي لم يعرف تاريخ البشرية مثيلا لإرهابه وإجرامه ووحشيته ودمويته، ولذلك لن يوقف غيّها ويردعها سوى كيان تنفيذي يعيد صياغة المفاهيم وقلب الموازين لصالح الإسلام والمسلمين، بدولة على منهج سيد الأنبياء والمرسلين، خلافة راشدة على منهاج النبوة تنقذ البشرية من إرهاب الرأسمالية وزعمائها الإرهابيين وتنسيهم وساوس الشياطين.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع