الجمعة، 01 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/14م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تونس عند حافة الانفجار السياسي

ماذا بعد مرحلة الإنهاك الأخير؟

 

حين يبدأ النظام في استهلاك شرعيته

 

لا تسقط الأنظمة حين تفقد شعبيتها فحسب، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج شرعية جديدة. فالجماهير قد تتحمل الجوع والفقر، وقد تصبر على القمع والتنكيل سنوات، لكنها لا تستطيع أن تتحمل دوس الكرامة اليوم وفراغ الأفق غدا. تمر الأنظمة، قبل سقوطها الظاهر، بمرحلة من الإنهاك الصامت، تبدأ حين تنقلب وعودها إلى أسئلة محرجة، وحين يصبح القمع بديلاً عن الإقناع، وحين يبدأ المجتمع في التفكير لا في كيفية إسقاط النظام فحسب، بل في السؤال الأخطر الذي قد يكبح اندفاعه نحو الاحتشاد والتظاهر: ماذا بعده؟

 

قيس سعيّد: كبش فداء لمرحلة كاملة؟

 

من هذه الزاوية، تبدو اللحظة التونسية الراهنة أخطر مما يتصور الكثيرون. فبعد خمس سنوات من 25 تموز/يوليو 2021، انقلب السؤال رأساً على عقب: لم نعد نسأل إن كان قيس سعيّد قادراً على إنقاذ الدولة من انسداد سياسي خانق، بل أصبح السؤال الموجع: ماذا أنتجت خمس سنوات من تركيز السلطة المطلقة بيد رجل ظنه البعض قد جاء من خارج المنظومة، ولكن جرى وضعه في واجهة المشهد، لا ليختزل السلطة في شخصه فحسب، وإنما ليكون أيضاً كبش فداء سياسيا عندما تنتهي صلاحيته السياسية، فيتحمل وحده كلفة الانهيار والإخفاق، بينما تنجو من الحساب الشبكات والقوى التي ساهمت في صناعة صعوده أو وفّرت له الغطاء والدعم؟ وإلا، كيف يمكن تفسير استمرار هذا المسار طوال هذه السنوات، رغم ما راكمه من أزمات، إذا لم تكن وراء الواجهة الرئاسية مصالح أوسع، داخلية وخارجية، رأت في سعيّد أداة لإعادة هندسة المشهد التونسي، ثم تركه لاحقاً وحيداً أمام غضب الشارع واستحقاقات الحساب؟

 

من "الإنقاذ" إلى احتكار السلطة

 

لقد نجح قيس سعيّد، بقدر كبير من الحسم، في تفكيك المنظومة القديمة وإزاحة القوى التي حمّلها مسؤولية انسداد الدولة وتدهور أوضاعها، لكنه أخفق في بناء منظومة بديلة قادرة على إنتاج النمو والرفاه، أو حتى توفير الحد الأدنى من الثقة والاستقرار. وهنا، تحديداً، يبدأ الأفول. إذ إن الشرعية التي بُنيت على ادعاء "الإنقاذ" لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد على أنقاض الماضي، خصوصاً عندما لا يكون لهذا الإنقاذ وجهة واضحة، ولا يكون لـ"البناء والتشييد" الذي رُفعت شعاراته أساسٌ فكري وعقدي وشرعي واضح، تُردّ إليه السياسات والأحكام وتُقاس به الأعمال. والأخطر من ذلك أن مشروع سعيّد لم يكتفِ بإقصاء المنظومة السياسية السابقة، بل مضى إلى إقصاء الإسلام من المجال العام والتشريع إقصاءً يتجاوز حتى مستواه الرمزي الذي حافظ عليه بورقيبة، وذلك بإلغاء المرجعية التي كانت تمثلها الإشارة إلى الإسلام في المادة الأولى من دستور 2014. وهي، من هذه الزاوية، ليست مجرد مراجعة دستورية، بل قطيعة مع التصور الذي يرى في الإسلام أساساً فكرياً وعقدياً وشرعياً للحكم والتشريع، واختزال مهين للإسلام في الجانب التعبدي الكهنوتي، يتماهى مع قراءة فرنسا للإسلام.

 

وهكذا، ما إن انتقل سعيّد من موقع من يحمّل الآخرين مسؤولية الانسداد إلى موقع من يحتكر القرار ويعيد صياغة الدولة وفق تصوره، حتى سقطت عنه حصانة "البديل"، فأصبح كل فشل اقتصادي، وكل تعثر في الخدمات، وكل انسداد سياسي، وكل اعتقال أو تضييق أو حكم بالسجن، يُرد في النهاية إلى مركز السلطة الذي اختزل الدولة في شخصه، وأصبح مسؤولاً بصورة مباشرة عن الحاضر والمستقبل وعن الكلفة الكاملة لما آلت إليه البلاد.

 

شهادة جوي هود: خمس سنوات لكشف الوجهة

 

لقد كشفت شهادة سفير أمريكا الأسبق، جوي هود، التي نشرها يوم 2026/07/27 على موقع الجزيرة، عن لحظة مهمة، فعندما وصل إلى تونس في الأيام الأولى التي أعقبت 25 تموز/يوليو، لم يكن المسؤولون الأمريكيون قادرين على معرفة المدى الذي يُراد من الإجراءات الاستثنائية: هل يتعلق الأمر بتدبير مؤقت لاحتواء أزمة سياسية خانقة، أم أنه مقدمة لإعادة تشكيل نظام الحكم برمته؟ لم يوضح سعيّد متى سيعيّن حكومة، ولا ما إذا كان تعليق البرلمان مؤقتاً أم تمهيداً لحله، تاركاً الجميع أمام مشروع لم تتضح وجهته بعد. وبعد خمس سنوات، لم تعد الوجهة غامضة: دستور جديد كرّس تركيز السلطة في الرئاسة، وحكم بالمراسيم، وانكماش متواصل للمجال السياسي، بالتوازي مع مقاربة أمنية أفضت إلى اتساع دائرة الملاحقات والاعتقالات والمحاكمات الجائرة. لكن المفارقة الأكثر قسوة أن هذا التركيز الهائل للسلطة لم ينتج، في المقابل، اختراقاً اقتصادياً يبرره، ولم يمنع من تصاعد وتيرة الاحتجاجات، فقد بلغ الدين العمومي نحو 84% من الناتج المحلي، بينما ظل النمو والبطالة في مستويات لا تمنح السلطة إنجازاً اقتصادياً يمكنها أن تستند إليه.

 

الغضب المجتمعي ومعارضة عاجزة

 

غير أن الخطر الأعمق اليوم هو أن الأزمة لم تعد نخبوية. ففي صيف 2026، دخلت الكهرباء والماء وغلاء الأسعار إلى صميم المعادلة السياسية. لأن الغضب والاحتجاج لم يعد بحاجة إلى طاقة دفع مبدئي، بل أصبح الحلم اليومي نفسه أداة سياسية. هنا، تجد المعارضة التونسية نفسها اليوم جزءاً من مأزق المرحلة، لا البديل الجاهز عنها. فقد استنفدت قواها وحشدت أطيافها وشبكاتها، ومع ذلك عجزت عن تحويل السخط السياسي إلى قوة شعبية مؤثرة. ويكفي أن احتجاجات قابس ضد التلوث حشدت نحو 160 ألف شخص، وهو رقم يكشف، بالمقارنة، عمق العجز التعبوي للمعارضة التي تعجز، رغم اجتماع أطيافها وتعدد تنظيماتها، عن حشد جزء يسير من هذا العدد في تحركاتها السياسية. والمفارقة أن غضباً مجتمعياً على قضية بيئية محلية استطاع أن يتحول إلى قوة جماهيرية هائلة، بينما بقي الغضب السياسي عاجزاً عن إنتاج كتلة شعبية مماثلة، بما يؤكد أن أزمة المعارضة ليست في غياب السخط وحده، بل في عجزها عن تحويله إلى مشروع سياسي مقنع.

 

والأسوأ أنها تبدو، في جانب منها، أسيرة انتظار الخارج أكثر من قدرتها على إنتاج ديناميكية داخلية، ومتعلقة بما تبقى من "قشة الديمقراطية"، وكأن إنقاذها لن يأتي من المجتمع التونسي بقدر ما سيأتي من ضغط دولي أو إسناد إقليمي، يأتي من "الغرف المغلقة" كما قال قائلهم! ولذلك فإن الحديث عن "مرحلة ما بعد قيس سعيّد" لا يعني أن المعارضة أصبحت قادرة على فرضها، بل يعكس، في أحسن الأحوال، بداية تآكل احتكار السلطة للمستقبل من جهة، وعجز خصومها عن ملء الفراغ من جهة أخرى. وهذه هي المفارقة التي تجعل الأزمة أعمق: نظام يزداد إنهاكاً، ومعارضة تزداد عجزاً، ومجتمع يتحرك خارج الاثنين بحثاً عن مخرج.

 

تونس في حسابات أمريكا وتركيا

 

أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن اهتمام تركيا بتونس، ولو جاء من شخصيات سياسية سابقة (الرئيس ومستشاره، ورئيس البرلمان) واقتصاديين، وليس بالضرورة كسياسة حكومية معلنة، فهو مؤشر لا يقل أهمية. تونس موقع استراتيجي يربط أوروبا بأفريقيا، وتركيا ترى فيها منصة للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية، ومنصة استثمارية واعدة كما جاء على لسان المستثمر التركي سَلجوق يلماز.

 

من ناحية أخرى، تدرك واشنطن، كما يقر هود، أن تونس المستقرة، حتى ولو كانت تحت حكم سعيّد، خير من تونس المنهارة التي قد تتحول إلى فوضى على شواطئ المتوسط. لذا، فإن الحساب الأمريكي معقد: لا إسقاط فوري، بل إبقاء الدولة قائمة، ومنع الانفجار، وتشجيع انفتاح سياسي تدريجي، بحثا عن بدائل وربما عن دور للجزائر.

 

البديل لا يأتي من قرطاج ولا من الخارج

 

وهكذا، فإن البديل الحقيقي لتونس لن يأتي من قصر قرطاج، ولن يأتي من أحزاب المعارضة التي تتنافس على كراسي البرلمان، لأنهما وجهان لعملة واحدة هي الديمقراطية الليبرالية الغربية، مهما اختلفت شعاراتهما. ولن يأتي من واشنطن أو لندن أو باريس، فهذه الأطراف، رغم اختلافاتها وتنافسها، تتحرك داخل منظومة دولية غربية واحدة، وتظل حساباتها محكومة برؤيتها للنظام العالمي ومصالحها فيه. وحتى تركيا نفسها، رغم مشروعها الإقليمي الطموح، تبقى ضمن الفلك الغربي وتحت سقف الناتو، وتتحرك بأجندة تحمل في أحشائها نظرة الغرب للعالم.

 

إذن، لا الخلاص من "الرجل القوي" الذي أنهك البلاد، ولا من "المعارضة" التي تريد استعادة الديمقراطية ونفخ الروح في جثتها الهامدة، هو ما سينقذ بلد الزيتونة، بل الخلاص يجب أن ينبع من عقيدة هذا الشعب وهويته التاريخية والحضارية، من إسلامه الذي صاغ وجوده، ومن ثقافته التي هي امتداد لرسالة التوحيد. فالشعب التونسي، بقيمه الإسلامية الأصيلة، وإشعاعه التاريخي، هو السند الطبيعي الوحيد لأي حكم رشيد، وهذا السند قد سُحب من تحت قدمي قيس سعيّد، وقد حُشر في الزاوية، فلم يبق له إلا الارتهان المتزايد للخارج وشروطه، ولا سيما مع تفاقم الحاجة إلى التمويل.

 

وقد تكون تونس، بما لها من موقع رمزي في تاريخ التحولات العربية، قادرة على أن تتحول مرة أخرى إلى نقطة انطلاق لمشروع يتجاوز حدودها، ويمنح شعوب المنطقة تصوراً مختلفاً للتغيير، قوامه العقيدة والهوية والاستقلال عن الهيمنة الغربية والتبعية للخارج.

 

من الربيع العربي إلى الطوفان الإسلامي

 

نعم، إن عقيدة هذا الشعب وهويته الإسلامية هي وحدها القادرة على إلهام أنظمة تحكم بما أنزل الله، لا بما تمليه أمريكا أو أوروبا. هي وحدها القادرة على أن تكون البديل الحقيقي عن هذا المأزق السياسي الخانق. وها هي الأيام تمر، والشارع يغلي، والأفق يضيق، والموازين الدولية تتغير، لتصبح الأنظمة المنبثقة عن هذه العقيدة المتجذرة في أهل تونس، لا مجرد خيار انتخابي، بل واجبا شرعيا وبرنامجا سياسيا حتميا وضرورة حياتية، وحلا واقعيا من صميم التجربة التونسية ومن توجيه دعاة التغيير الجذري، لا من نسق خارجي مستورد.

 

فما دامت الأنظمة الوضعية العلمانية قد فشلت، وما دامت النخبة المستوردة قد عجزت، فلا بد أن يكون الربيع القادم إسلامياً لا عربياً، كما كان بالأمس. ولا بد أن تكون الخلافة الراشدة هي عنوان الطوفان القادم، تحقيقاً لوعد الله بالاستخلاف، وبشرى نبيه عليه الصلاة والسلام بالخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. وحينها، لن تكون تونس مجرد دولة تبحث عن خروج من أزمتها، بل ملهمة لأمة بأكملها، تحتضن أشلاء الربيع العربي الفاشل، وتبعث منه حياة جديدة، وفي قلوبها يقين أن الله مولى الذين آمنوا، وأن العاقبة للمتقين. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾.

 

وهكذا، فإن ما يحدث في تونس اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، ولا مجرد صراع على السلطة بين فريق وآخر، بل هو اختبار لمصير أمة، وهكذا يجب أن يُقرأ من كل مسلم واع، يحمل همّ أمّته. فتونس، التي كانت مهد الثورات العربية، قد تكون مجدداً مهد الصحوة الإسلامية التي تقطع مع حبائل الاستعمار وتصنع مستقبلها بإرادتها، وعقيدتها، وتاريخها، لا بإملاءات الغرب ومؤسساته. وهي بذلك تقدم نموذجاً يلهم شعوب المنطقة كلها، فتنطلق لإعادة بناء ذاتها ولم شملها وتوحيد صفوفها وتحرير الأرض المباركة من رجس يهود. فهل تستطيع الأمة أن تستعيد حقها في أن تستمد نظامها من عقيدتها وهويتها، وأن تجعل من التغيير عودة إلى كتاب ربها وهدي نبيها ﷺ لا انتقالاً من وصاية إلى وصاية؟

 

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾.

 

فإذا استقرت العقيدة الإسلامية في القلوب استقراراً حقيقياً، تحولت من مجرد قناعة ذهنية إلى قوة دافعة تصوغ الوعي والإرادة والسلوك، وتمنح المؤمن قدرة على الثبات أمام الفتن، ومقاومة التبعية، وتحمل مشاق التغيير، والتضحية في سبيل ما يراه حقاً، فلا تعود إرادته رهينة للخوف أو المصالح العاجلة، بل يستمد عزيمته من يقينه بالله ووعده. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع