- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين القرار المستقل والانجرار خلف واشنطن
كلما دخلت أمريكا أزمةً في الشرق الأوسط، سارعت إلى استدعاء حلفائها العرب، لا لتشاركهم صنع القرار، بل لتوزع عليهم أدوارهم. وهذه قاعدة تكررت في محطات كثيرة، حتى لم يعد السؤال: ماذا تريد الدول العربية؟ بل: ماذا تريد أمريكا من الدول العربية؟
وفي خضم التصعيد مع إيران، تبدو الإدارة الأمريكية بحاجة إلى غطاء سياسي وإقليمي يخفف عنها كلفة المواجهة مع إيران. فهي تدرك أن الحرب إذا اتسعت، فلن تبقى بين أمريكا وكيان يهود من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل ستطال أمن المنطقة واقتصادها واستقرارها. لذلك تتحرك باتجاه العواصم العربية طلباً للدعم والتنسيق، بعد أن أصبحت مفاتيح التصعيد أكثر تعقيداً مما كانت عليه.
ومما يثير الأسى أن الحكام العرب، في نظر منتقديهم، لا يتعاملون مع هذه الأزمات من منطلق مشروع مستقل، بل من منطلق الحفاظ على التحالفات مع أمريكا، حتى وإن تعارض ذلك مع أولويات شعوبهم أو مع مصالح الأمة على المدى البعيد. فبدلاً من أن يكونوا أصحاب مبادرة، يتحولون إلى جزء من ترتيبات تُصاغ خارج المنطقة، ثم يُطلب منهم تنفيذها أو توفير الغطاء لها!
إن الأمة التي تملك من الثروات، والموقع الجغرافي، والموارد البشرية، ما يؤهلها لأن تكون شريكاً في صناعة القرار، لا يليق بها أن تبقى في موضع المتلقي. فالسيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، وإنما هي موقف يُختبر عندما تتعارض الإرادة مع ضغوط القوى الكبرى.
إن التاريخ لا يرحم الذين يربطون مصير أوطانهم بإرادة الخارج. فالتحالفات قد تتغير، والمصالح قد تتبدل، أما الشعوب فتبقى هي التي تتحمل نتائج القرارات المذلة. والدول التي لا تبني قراراتها على مصالحها، ستجد نفسها دائماً تدفع ثمن انجرارها خلف المشاريع الغربية، وتسدد فاتورة سياسات لم تصنعها.
إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات التي تفرضها أمريكا، بل إلى إرادة سياسية مستقلة تجعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، وتدرك أن احترام العالم لا يُمنح لمن يكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه، وإنما لمن يمتلك قراره ويعرف كيف يدافع عن مصالحه. وهنا تكمن المأساة؛ فالأمة التي كانت يوماً تصنع موازين القوى، أصبحت اليوم تنتظر ما يُرسم لها من الدول الاستعمارية، ليس لأن المسلمين فقدوا ثرواتهم أو موقعهم الجغرافي، بل لأنهم فقدوا الكيان الجامع لوحدتهم.
أما اليوم، وقد تمزقت دولتهم، وتفرق سلطانهم، وغاب كيانهم الجامع، فقد تحولت دولهم إلى كيانات هزيلة تتحرك في ظل إرادة الغرب. وسيبقى هذا الواقع ما دام القرار السياسي أسيراً للتبعية، حتى تستعيد الأمة كيانها الذي يجعلها صاحبة الكلمة، لا مجرد صدى لكلمات الآخرين. ولن يتغير هذا الواقع إلا يوم تستعيد الأمة كيانها السياسي الذي يوحد إرادتها، ويعيد إليها مكانتها بين الأمم.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



