- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الإحسان إلى الأقارب وصلة الأرحام
إن الإحسان إلى الأقارب من أجلِّ الأعمال وأعظم القربات؛ لأن القريب يجتمع فيه حق الإسلام وحق القرابة، ولذلك اعتنى القرآن الكريم ببيان هذا الحق، وجعل الإحسان إلى ذوي القربى من الأعمال التي تقرّب العبد إلى الله تعالى. قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾. ففي هذه الآية أمرٌ صريح بأداء حق القريب، وذلك بالإحسان إليه، ومساعدته، وتفقّد أحواله، والقيام بحاجته بحسب الاستطاعة.
وقد حثّ النبي ﷺ على صلة الأرحام، وجعلها علامة من علامات الإيمان وربطها به، فقال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه البخاري ومسلم. وصلة الرحم لا تكون فقط بمقابلة الإحسان بالإحسان، وإنما تظهر حقيقتها عند الجفاء والقطيعة، قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» رواه البخاري. فالمؤمن لا يجعل إساءة قريبه سبباً لقطع رحمه، ولا يقابل الجفاء بالجفاء، بل يسعى إلى الإصلاح، ويبدأ بالسلام، ويتجاوز عن الهفوات، راجياً بذلك ما عند الله تعالى. وقد وعد النبي ﷺ واصل الرحم بسعة الرزق وطول الأثر، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، رواه البخاري ومسلم.
وقد تقع بين الأقارب أخطاء أو سوء فهم أو مواقف مؤلمة، غير أن المؤمن مأمور بالعفو والصفح، وألا يجعل الخطأ العابر سبباً لخصومة دائمة أو قطيعة طويلة. قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذه الآية ترشد المسلم إلى مقابلة الإساءة بالعفو، وتذكّره بأن من أراد مغفرة الله فليغفر لعباده. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. ومن الإحسان إلى الأقارب أن يحمل المسلم كلامهم على أحسن المحامل، وألا يتتبع عثراتهم، ولا يعيّرهم بأخطائهم، ولا ينشر عيوبهم بين الناس. وإذا احتاج القريب إلى نصيحة، فلتكن برفق وسرٍّ، بعيداً عن التشهير والإهانة، فقد قال النبي ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رواه مسلم
ومن الإحسان إلى الأقارب كتم الغيظ عند الغضب والخصومة، فمن أكثر ما يحتاج إليه التعامل مع الأقارب ضبط النفس عند الغضب؛ لأن القريب قد يرى من قريبه ما لا يراه من غيره، وقد تكون الخصومة معه أشد ألماً وأطول أثراً. ولهذا قال النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» رواه البخاري ومسلم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع الصوت، أو غلبة الخصم، أو رد الإساءة بمثلها، وإنما في القدرة على كظم الغيظ، والتزام الأدب، وتأخير الرد حتى تهدأ النفوس. ومن الحكمة أن يتجنب الإنسان الجدال وقت الغضب، وأن يختار الكلمات الطيبة، وأن يتذكر أن صلة الرحم أعظم من الانتصار للنفس في موقف عابر.
ومن صور الإحسان إلى الأقارب تفقد المحتاج منهم، ومساعدة الفقير، وإعانة المريض، والوقوف إلى جانب من نزلت به شدة، وتقديم العون المالي أو المعنوي بحسب القدرة. وقد قال النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رواه الدارمي، أي أن الصدقة على القريب المحتاج تجمع أجر الصدقة وأجر صلة الرحم. كما قال ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه البخاري ومسلم، فإذا كان هذا فضل إعانة المسلم عامة، فإن إعانة القريب أولى وأعظم؛ لما فيها من جمعٍ بين تفريج الكربة، وصلة الرحم، وتقوية أواصر المحبة بين أفراد الأسرة.
وبالمقابل فقد حذّر الإسلام من قطيعة الأرحام، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. فالقطيعة ليست مجرد ترك الزيارة، بل قد تكون بالهجر، أو الإعراض، أو منع الحقوق، أو الإساءة بالقول، أو نشر العيوب، أو ترك القريب وقت حاجته. أما الصلة فهي بالزيارة، أو الاتصال، أو السؤال، أو الهدية، أو المساعدة، أو الكلمة الطيبة، أو الدعاء، وغير ذلك.
ويجب التنبيه إلى أن الإحسان إلى الأقارب لا يعني السكوت عن الظلم، ولا قبول الاعتداء، ولا تمكين المسيء من الاستمرار في أذاه. وإنما يكون الإحسان بالحكمة؛ فيعفو الإنسان عن الهفوات، ويستر العيوب، وينصح برفق، ويحفظ حقوقه، ويدفع الضرر بالحكمة والروية بالوسائل المشروعة. ومن أجمل صور التعامل مع الأقارب أن يصل المسلم من قطعه، ويعفو عمن أساء إليه، ويكتم ما يكره نشره، ويساعد المحتاج، ويخفض جناح الرحمة للكبير، ويرفق بالصغير، ويحفظ مكانة الوالدين وأهل الفضل، ويجعل غايته رضا الله لا انتصار النفس.
ولا يقتصر ما تقدّم من الإحسان والعفو والستر وحسن التعامل على الأقارب الأقربين فحسب، بل يشمل كذلك ذوي الأرحام وسائر الأقارب؛ فصلة الرحم تعني الإحسان إلى الأقارب عموما، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ وبناءً على ذلك، فإن كل ما سبق من الصلة، والإحسان، وقضاء الحوائج، والعفو، وستر العثرات، واحتمال الزلات، وحسن الكلام، ينطبق على ذوي الأرحام وسائر الأقارب، سواء أكانوا قريبين في المسكن أو بعيدين، وسواء أحسنوا أو قصّروا؛ إذ يحرص المسلم على وصلهم ابتغاء مرضاة الله، وبذلك يحافظ على ترابط الأسرة، ويؤدي حق القرابة، وينال فضل صلة الرحم والإحسان إلى ذوي الأرحام.
وخلاصة الأمر أن صلة الرحم طاعة عظيمة، والإحسان إلى الأقارب من الإيمان، والعفو عن زلاتهم سبب لمغفرة الله ودوام المودة. فليحرص كل مسلم على أن يكون مفتاحاً للخير في أسرته، جامعاً للقلوب، ساتراً للعثرات، معيناً على الشدائد، وليتذكر دائماً قول الله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بلال المهاجر – ولاية باكستان



