الثلاثاء، 01 رجب 1441هـ| 2020/02/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

هل نقطف الورود من الثورة غير الواعية؟

 

تراكمت عشرات من سني الاستعباد والظلم الشديد على أهل السودان شأنهم شأن جميع شعوب العالم الإسلامي من حكامهم الجائرين الذين خانوا الله وبددوا ثروات الأمة وحافظوا على مصالح دول الاستعمار فكان أمراً حتميا أن يثور الناس... صحيح أن الأمة ثارت ولكن عدم الوعي السياسي الذي شاب الثورات بما فيها ثورة السودان جعلها لا تأتي بالنتائج المرجوة بل نستطيع أن نقول إن قبل الثورة ربما كان الأفضل بالمقاييس النسبية في معاش الناس والأمن والأمان، ولربما حال ثورة كانون الأول/ديسمبر المختطفة يحاكي حال جميع ما عرف بثورات الربيع العربي؛ ثورة غير واعية، والنتيجة التفاف الغرب عليها وإنتاج عملاء يؤدون أدوار العمالة والنذالة نفسها، ولنا في السودان أن نتساءل ماذا حققت الثورة بعد كل التضحيات؟ ولماذا انحرفت بوصلتها بكل هذا القدر؟ الحقيقة أننا نحتاج ثورة لنصحح أخطاء الثورة.

 

ثورة السودان تتراكم فيها الأخطاء منذ أن سمح للمتظاهرين بالتسرب إلى محيط القيادة العامة رغم الاحتياطات الأمنية، وذلك بتخطيط مدير جهاز الأمن السابق صلاح قوش، ثم من بعدُ بفض الاعتصام باتفاق العسكر وقوى الحرية والتغيير، وتكثر الانحرافات التي جميعها تفت في عضد الثورة حتى أجهزت عليها، ويمكن أن نناقش لاحقا أهم المشكلات التي قامت الثورة من أجل حلها فوجدنا الحلول نفسها التي انتهجتها الحكومة السابقة وأهمها الناحية الاقتصادية وملف السلام والأمن، فلماذا انطبق علينا المثل "كأنك يا أبا زيد ما غزيت"؟!

 

أما التأييد الكبير لحكومة حمدوك فما هو إلا ردة فعل على ما ذاقوه من ظلم رغم تصريحات المسؤولين التي تتغنى بالعلمانية وتعادي الإسلام وتتبنى الحل السياسي الغربي دون مواربة (المدنية هي الحل)، ويصبح هذا الحل الخبيث سقفاً للثورة وتضيع المطالب الأساسية للثورة وتختزل في (شكراً حمدوك)! عبارة تتكرر في كل مكان رغم المعاناة ليتضح أن هناك مرضا هو تبجيل الشخصيات الذي يجعل من الجمهور مجرد مصفقين مؤيدين رغم كل الشقاء.

 

عندما لا تدرك الجماهير الثائرة وجود مشروع واضح وهدف بَيّن وطريق للوصول إليه، وعندما لا نفكر كيف تسقط الأنظمة وكيف تقام الدول، فنسير وفق ما يرسمه لنا أعداؤنا، فلا نسأل لماذا لم يحدث تغيير؟ فمنذ اليوم الأول للاعتصام تكالبت دول الغرب تخطط وترسم وتغري إلى أن حققت مرادها بالمحاصصات بين من عرفوا بالمدنيين والعسكر وسلكوا سويا الطريق التي يظنون أنها الخلاص وهي الهلاك المبين الذي أهلك الأنظمة السابقة، وهكذا حولوا أنفسهم لأدوات لتحقيق أهداف ومصالح الاستعمار، ويكفي دليلا لقاء البرهان بنتنياهو في عنتبي في حرق للمراحل التي سيقطفون ثمارها المُرّة قريبا.

 

إن المطلوب هو معرفة المشروع أولا ثم التضحية في سبيله، لكن انعكس الوضع ثم أتى في سدة الحكم مسؤولون يتبنون العلمانية بشكلها الفج ليعلنوا مقاطعتهم لكل ما هو إسلامي بحجة أنه إرث الكيزان تجار الدين!!! دون تفريق بين النظام الساقط والإسلام الذي من حاربه حاربه الله، وهكذا أصبحت الحكومة ما بعد الثورة ناراً تأكل بعضها وتسارع لإهلاك نفسها.

 

بالأمس أودع وزير العدل حزمة قوانين للتعديل منضدة مجلس الوزراء للإجازة، أهمها المواد الردة 152 و153 و154 وسماها القوانين المقيدة للحريات، وهي أحكام شرعية، ونتيجة لعدم الوعي السياسي للثورة أصبح العلمانيون نزلاء الفنادق ورواد السفارات ممثلين سياسيين للثورة وناطقين باسم أهل السودان وحكاما من بعض هؤلاء المنفصلين عن جسد الأمة لا بد أن تعي الأمة على واقعهم وحينها سيقذفون في هاوية سحيقة.

 

هؤلا المسؤولون بالغوا في إبداء حسن النوايا والوداعة والتبعية بالارتماء في أحضان الغرب، ووفود المسؤولين تحج إلى أمريكا وأوروبا في رحلات مكوكية لا تهدأ متوهمين أن حل مشاكلنا هو بأيدي أعدائنا من الدول الغربية وأممها المتحدة والدول الإقليمية والغربية لدرجة يفقد المسؤولون قرارهم، وتصبح قراراتهم آتية من وراء البحار في الناحية الاقتصادية والأمنية وكل مفاصل الحكم.

 

ولو عرضنا للمشاكل الأساسية التي قامت الثورة لحلها لوجدنا أن الأمور تسير في اتجاه التعقيد، والحلول نفسها التي انتهجتها حكومة الإنقاذ: منها الناحية الاقتصادية: أكّد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي إبراهيم البدوي، مُضِي وزارته في سياسة رفع الدعم عن المحروقات تدريجياً على مدار 18 شهراً، تبدأ من آذار/مارس المقبل. وقال البدوي بحسب صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، إنّ السودان يَمضِي قُدُماً بخُطة اقتصادية طموحة ستخفض الدعم وتستبدله بمدفوعات نقدية مُباشرة للفقراء، مع وضع جدول زمني من أجل إنفاذ الإصلاحات الاقتصادية التي يسعى إليها المقرضون الدوليون، وأشار إلى أنّ الخُطة الآن تَهدف لرفع دعم الوقود تَدريجياً، والذي يشغل 36% من ميزانية البلاد، وأوضح أنّه سيتم إزالة دعم البنزين أولاً بداية آذار/مارس، قبل مُعالجة الدعم المتعلِّق بالجازولين مُنتصف العام والاستمرار في النهج ذاته العام المقبل، وقال البدوي إن الدفع النقدي المباشر للأُسر الفقيرة من خلال البنوك أو تحويلات الهواتف النقّالة، يُمكن أن يُساعد في تَخفيف صَدمة الإصلاحات، وأضاف: بالرغم من أنّ الحكومة تحتاج إلى ستة أشهر لتحديد الأسر الفقيرة بالبلاد، إلا أن حوالي 4.5 مليون شخص سيبدأون تلقِّي الأموال قَريباً كجُزءٍ من مجموعة تجريبية، وقال: "نعتقد أنه إذا تمكّنا من القيام بذلك، فسيكون بديلاً قابلاً للتطبيق وذا مصداقية للغاية سوف يستهدف الفقراء، وسيعزِّز قضية السلام ويُغيِّر بالفعل العقد الاجتماعي"، ووصف الموقع، القيادة السودانية الجديدة بأنها تبحر في انتقالٍ عسيرٍ إلى الحكم المدني. (صحيفة الصيحة، 30 كانون الثاني/يناير 2020م).

 

إن هذه السياسة التي تسمى سياسة الإصلاح الاقتصادي، والتي تتمثل في رفع الدعم عن السلع، وتحرير سعر العملة، وخفض الإنفاق الحكومي (عدم إنفاق الدولة على الخدمات من صحة وتعليم وغيرهما)، ما هي إلا روشتة يقدمها صندوق النقد الدولي بشكل ثابت ودوري، فقد قدمها لمصر والأردن والجزائر وتونس... والقائمة تطول، وقد درج الصندوق أن يقدمها للسودان سنوياً، مستبقاً الميزانية السنوية، فقد ذكر بيان أصدره صندوق النقد الدولي في حزيران/يونيو 2011م "أن السودان أقام تعاوناً جيداً مع صندوق النقد على مدى أكثر من عقد من الزمان، كما يعمل موظفو الصندوق بشكل وثيق مع السلطات لرصد التقدم في تنفيذ برنامج اقتصادي، من خلال الأهداف والمعايير الهيكلية". (رماة الحدق الإلكترونية).

 

هذه سياسة خبيثة تتحكم فيها الدول الكبرى لرسم سياسات الدول الضعيفة، كما اعترف بذلك كبار موظفي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث اعترف كل من وزير خارجية أمريكا السابق، لورانس إيغل بيرجر، ورئيس صندوق النقد الدولي ميشيل كامديسوس، اعترفا بأنهما استخدما الصندوق للإطاحة بنظام سوهارتو عن طريق فرض سياسة تعويم العملة، وحرمانه من القروض إن لم يقبل بهذه السياسة، فخضع سوهارتو للطلب، وتم تعويم العملة فأطيح به. هل هذه الحكومة الجديدة تمتلك أدنى صفة من صفات الرشاد وهي تسير في اتجاه من سبقها نفسه؟؟ وتمعن في الضلالة، فقد تشكلت مجموعة ما يسمى "أصدقاء السودان" في العاصمة الألمانية برلين، في حزيران/يونيو 2019م، عقب الإطاحة بنظام البشير وقيل إن المجموعة تشكلت من أجل مساعدة السودان على تجاوز الأزمة الاقتصادية، وكان الاجتماع الأخير بالخرطوم يوم الأربعاء 2019/12/11م بقاعة الصداقة، بمشاركة 24 دولة على رأسها أمريكا وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والنرويج، وغيرها من الدول التابعة مثل السعودية والإمارات وإثيوبيا، وغيرها، بالإضافة لممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وقد خاطب رئيس الوزراء السوداني حمدوك الجلسة الافتتاحية، داعياً المجتمع الدولي للوقوف إلى جانب بلاده، ومعالجة الاحتياجات العاجلة للفترة الانتقالية، وقال "إن الأولويات تتمثل في معالجة الاقتصاد وإعادة هيكلة المؤسسات، واسترداد الأموال المنهوبة، وخلق فرص لتوظيف الشباب"، وتابع "أدعوكم أن نعمل سويا وأطلب من الشركاء أن يقفوا موحدين معنا لمعالجة المطلوبات العاجلة وطويلة الأجل للأزمات وخاصة الاقتصادية".

 

وللأسف فإن حمدوك الذي وقف أمام هذه المجموعة متسولاً طالباً منها العون، هو نفسه حمدوك مساء أدائه القسم رئيساً لوزراء السودان للفترة الانتقالية وفي أول مقابلة له مع فضائية سكاي نيوز العربية الأربعاء 2019/8/21م قال: "سنعمل على معالجة الأزمة الاقتصادية، وبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج وليس الهبات والمعونات"، مضيفاً "نحن بلد غني نستطيع الاعتماد على مواردنا الذاتية"، فعلا السلطة لها أثر في تغيير الثوابت في هذا الزمان.

 

أما الأمن والأمان وما يعرف بالسلام فحدث ولا حرج؛ يسيطر على طاقم التفاوض من لم تزل أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء في السودان واليمن وليبيا، ورئيس الوفد محمد حمدان وأعضاء الوفد كباشي وياسر العطاء مطعمين الوفد بالتعايشي ناطق رسمي للوفد مما يدل على سيطرة العسكر الذين هم الحكام الفعليون للسودان لمصلحة أمريكا.

 

تم توقيع اتفاق مع عرمان وعقار تعنت الحلو وهو متمرد على عقار وعرمان وأخذ لجانبه قادة الحركة، مع ذلك شراء الذمم يعيد 70 منه إلى مالك عقار رغم تنازع هؤلاء وسهولة السيطرة عليهم لكن الحكومة تسترضيهم وتمنحهم مكانا ليسوا بأهله وهم في الحقيقة مكانهم أن يحاسبوا على جرائمهم لكونهم أدوات تمزق هذا البلد مدعومة من الدول الاستعمارية التي تسيطر على المفاوضات وترجح كفتهم، وتقوم الحكومة الانتقالية بالعقلية نفسها التي استخدمها البشير وهي تقديم تنازلات لجني ثمار مُرّة لما يعرف بالسلام الذي يخطط له الغرب لإيصال رجاله لسدة الحكم لا لحل مشكلة ولا معالجة أزمة، فماذا قدم سلام الجنوب؟؟

 

أما زيارة حمدوك لكاودا فقد أظهرت منتهى الذل والصغار؛ فقد أقلته طائرة برنامج الغذاء العالمي ولم يسمح له باصطحاب والي المنطقة، وفي كاودا ذات الجيش رفرف علم الحركة الشعبية ولم نر خرقة ترفع للسودان!

 

حمدوك الذي قال من أول يوم نحن ليس لنا سقف في المفاوضات لتحقيق السلام، وهذا ما جعل الحلو يفرض وجهة نظره بفصل الدين عن الحياة وهو يعلم أن رئيس الوزراء موافق عليها مسبقا وهم جميعا مسيرون بأمر الغرب الذي أشرف على اللقاء بوجود كثيف.

 

أما التفلتات الأمنية في رأس السنة والقتل والعصابات المنتشرة فكأنما الشرطة أصبحت في دور المتفرج، والأخطر من ذلك هو تمرد هيئة العمليات الذي كاد أن يفضي إلى إشعال الخرطوم نارا لولا لطف الله، أحداث إطلاق النار الذي قامت به قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات السوداني، يوم 2020/1/14م، والفوضى التي أدخلت الرعب والهلع في نفوس أهل الخرطوم، وبخاصة مناطق كافوري ببحري، والرياض، وسوبا، حيث بدأت الفوضى بإطلاق أعيرة نارية في الهواء بكثافة، أجبرت الجيش على التدخل، فقاموا بإغلاق بعض الطرق المؤدية إلى أماكن الأحداث.

 

قام البشير بدعم هيئة العمليات التي وصل عدد قواتها إلى 14 ألف عنصر، بتسليح حديث، وتدريب عالي المستوى، حتى أصبحت قوة توازي الجيش، عدة وعتاداً، كما صرح بذلك البرهان قائلاً: "إن الهيئة تمتلك أسلحة لا يمتلكها الجيش"، هذه القوات المتعددة القيادات جيش ودعم سريع وهيئة عمليات وغيرها لم توجد عبثا لكنها في أي لحظة ستكون وبالاً على بعضها والنتيجة هي الفوضى والتقاتل، وما يحدث باختصار هو صراع دولي تغيب فيه الأمة تماما يستخدم كل الأدوات العملاء والعسكريين حتى علماء ومثقفين على أرضنا أرض المسلمين والغرب يدير هذا الصراع ليبقي جذوته تحرق كل ما ينفع الأمة ويرفعها، والأمة تقع بين مطرقة عدم الوعي السياسي وسندان ضغط الواقع الذي يفقدها مجرد التفكر.

 

إن الثورة الحقيقية المنتجة ليست مجرد عمل عسكري أو مجرد مسيرات ومظاهرات واحتجاجات، بل هي ثورة مفاهيم قبل أنْ تكون عملية تغيير للأوضاع والهياكل والأنظمة، وهي ثورة سياسية فكرية تستند على مبدأ صحيح صالح لإحداث التغيير ولنا في رسول الله أسوة؛ فقد كانت ثورته أنجح ثورة على الباطل حمل فيها وصحابته مشروع الإسلام حتى تحقق لهم إقامة دولة الإسلام في المدينة؛ دولة مبدئية تقوم على أساس لا إله إلا الله، محمد رسول الله، مبدأ يقوم على عقيدة تنبثق عنها أنظمة تحدد شكل الدولة، وأجهزتها باعتبارها أحكاماً شرعية تنظم حياة الناس، ما أوجد الأمن والاستقرار والنهوض والتقدم، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب)

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع