الأربعاء، 09 رمضان 1442هـ| 2021/04/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

التمكين الاقتصادي للمرأة بين الرأسمالية والإسلام

 

قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.

 

إن الله خلق الإنسان وأمره باتباع أوامره ليفوز في الدنيا والآخرة، وكلفه أن يعمل لدنياه وآخرته، ولذلك أوجد نظاما للحياة في شتى مناحيها وألزم خلقه باتباعه؛ ليهنأوا في الدنيا بحياة رغيدة، ويفوزوا في الآخرة بالجنة وذلك الفوز العظيم.

 

وكون المرأة فردا من هذه البشرية فقد شملتها الأنظمة الربانية، وألزمتها كما الرجل باتباع أوامر ربها لتفوز في الدارين. لكن الغرب الحاقد على الإسلام والمسلمين أراد لها طريقا آخر؛ لما عرف من أثرها الإيجابي في نهضة المجتمعات، والسلبي إن هي انحرفت عن الطريق القويم، فجيش طاقاته كلَّها ليحقق هدفه وهو هدم البناء الإسلامي وتقويض أركانه فوجه سهامه نحو المرأة وبدأ بتنفيذ خطته الشيطانية، وهي أن يحرف اهتمام المرأة عن مهمتها الأساسية وجعلها تتعلق بترهاتٍ أغنتها أنظمة الإسلام عن أن تُقلقها، ومن ذلك التمكين الاقتصادي.

 

ولنبين مقدار زيف هذا الشعار وإيهامه المرأة يجب أن نعرج على مقارنة سريعة بين الرأسمالية والإسلام في تمكين المرأة اقتصاديا.

 

أ) في الرأسمالية:

 

إن استغلال المبدأ الرأسمالي للمرأة وجعلها سلعة تباع وتشترى، هو نتيجة طبيعية وحتمية للنظرة التي ينظرها هذا المبدأ للمرأة؛ فالمرأة في المبدأ الرأسمالي قطعة فنية يستمتع بالنظر إليها، ومحل شهوة لإشباع الغرائز لمتعة الفرد من الرجال، ولا يلتفت إلى مسألة العرض في التعامل معها، لذلك نجد المجتمع الذي يتبنى المبدأ الرأسمالي يسخِّر المرأة لهذه الغاية المنبثقة عن وجهة نظره في الحياة، فنراه:

 

1) يستغل جسد المرأة وجمالها في الترويج لبضاعته وتجارته، إذ يقحم المرأة في كل إعلان تجاري للسلع، بغض النظر عن نوع السلعة، وهل هي تخص المرأة أم لا تخصها، فنجدها حاضرة في إعلانات السيارات مثلا وفي إعلانات معجون الحلاقة للرجال ...!

 

2) كما أن أصحاب الأموال والشركات من مدراء ورجال أعمال يستخدمون المرأة كتحفة فنية يزينون بها طاولات اجتماعاتهم وصفقاتهم التجارية، ليس لخبرتها ومعلوماتها المفيدة، بل لتزيين الطاولة وإضفاء اللمسة الجمالية عليها، كذلك هدفا لاستغلال الخصوم.

 

3) كما أن أصحاب المؤسسات والشركات يشترطون في طلبات وظائفهم أن تكون المتقدمة حسنة المظهر ولا ترتدي الحجاب، ولا يلتفتون كثيرا لشهاداتها التعليمية أو خبرتها في هذا المجال، المهم أن تكون جميلة وجذابة.

 

4) وبناء على ذلك، فإن العديد من الوظائف تحتكرها الجميلات وتحرم منها من كن أقل جمالا وفتنة حتى ولو كن أكثر علما وخبرة، وهذا الأمر دعا العديد من الفتيات للجوء إلى عمليات التجميل الخطرة والمخالفة للشرع من أجل الحصول على الوظيفة التي تشترط الجمال والإثارة، لذلك نجد أعمالا كثيرة أوجدها هذا النظام حكرا على النساء، مثل الإعلانات وعروض الأزياء والفنانات من ممثلات ومغنيات ومضيفات طيران، وكلهن يواجهن المصير ذاته ممن استغلوا جمالهن وأنوثتهن؛ إذ مصيرهن الإهمال والتهميش بعد أن يذهب الجمال وتكبر المرأة في السن، فلا يكون لها ذلك البريق واللمعان السابق، فيلقى بها على قارعة الطريق تستجدي كسرة الخبز أو ثمن الدواء، بعد أن كانت تتقاضى أعلى الأجور في تلك الأعمال في أوج شبابها.

 

5) ناهيك عن استغلال المدراء والمسؤولين (للسكرتيرة) للقيام بأعمالهم الخاصة وليس فقط للعمل الخاص بالوظيفة مستغلين حاجتها للعمل وضعفها، ومع ذلك فهم يهضمون حقوقها المادية والمالية التي تعطى لأمثالها من الرجال.

 

6) كما أن المبدأ الرأسمالي قد خدع المرأة بعدد من الشعارات البراقة الزائفة من مثل: حرية المرأة، والتمكين الاقتصادي، وتحقيق الذات، والتعليم سلاح، والمساواة بين الرجل والمرأة، وغيرها من الشعارات، وكلها جعلت المرأة مطحونة تدور كما يدور الثور في الساقية، تعمل ليل نهار في البيت وخارجه لكسب لقمة العيش، متحملة في سبيل ذلك الضغوطات النفسية والجسدية بسبب ازدحام الأعمال، وأيضا التحرشات والمضايقات والاستغلال من أصحاب العمل.

 

7) ونتيجة لمفاهيم المبدأ الرأسمالي الذي أشبع النساء وسلب عقولهن، تنصلت المرأة من ولاية الرجل عليها ومسؤوليته عنها، كما تنصل الرجل من مهامه المناطة به، فلا يهتم لها أب ولا أخ ولا زوج ولا ابن، فالنظام لا يلزمهم بالإنفاق عليها أو رعايتها، فتعيش تصارع لتحصيل قوتها، ثم ينتهي بها المطاف في دور العجزة أو على قارعة الطريق.

 

8) ونرى المرأة الغربية نتيجة لهذا الواقع قد تنصلت هي الأخرى من مسؤولياتها تجاه أبنائها؛ تربيتهم والعناية بهم، أما المرأة المسلمة فإنها تعيش صراعا نفسيا، بين رغبتها في العمل وتحقيق الذات، وبين حبها لأولادها ومسؤولياتها تجاههم، مما ينعكس سلبا على صحتها وأعصابها.

 

9) ثم بعد ذلك نجد هذا المبدأ الذي يتشدق بالشعارات المزيفة التي أوهم المرأة من خلالها بأن الإسلام قد ظلمها وهضم حقوقها وميز الرجل عنها، وأنه هو من أنصفها وحررها، هو نفسه من امتهن كرامتها، فهو لا يأبه لاستغاثاتها ونداءاتها عندما تصرخ مستنجدة من حاكم ظالم أو من قانون جائر، أو من جوع قاتل، فالناظر في الواقع الذي نعيشه - ولا يحتاج إلى كثير تبصر - يرينا حجم المعاناة التي تعانيها المرأة في ظل هذا النظام والتي تكشف عواره وزيفه، وتعلن بما لا يدع مجالا للشك فساده ومحاباته؛ فنساء الشام يستصرخن من ظلم النظام الحاكم ويمتن جوعا وبردا على الحدود وفي المخيمات، ونساء اليمن يمتن من الجوع والفقر هن وأولادهن، وكذلك المرأة المغاربية والمرأة السودانية اللواتي يعملن في الأعمال الشاقة التي تصعب على الرجال، ودون أن يكون موفَّرا لهن أي أساس من أسس السلامة المهنية، ونساء الإيغور وميانمار ونساء العراق ونساء فلسطين، ووو...

 

فأين هؤلاء من كل هذا؟ وأين دعاواهم المضللة الخادعة حول حقوق المرأة، وإنسانية المرأة وحرية المرأة؟! إنه أمر يثير السخرية حقا. فأين أنت أيتها المرأة من ذاك الزمن الجميل الذي عشتيه في ظل حكم الإسلام معززة مكرمة مصونة؟!

 

ب) في الإسلام:

 

1) إن الإسلام قد ضمن للمرأة العيش الكريم، فهي ليست مكلفة بالعمل لتنفق على نفسها أو على غيرها، وإن فعلت فلم يمنعها الإسلام، لكن يجب أن تعمل أعمالا موافقة لأحكام الإسلام، ولا يُمس عرضها وكرامتها أو شرفها أو يستغل جسدها، إذ نجد الإعلام يصور لنا جواز أن تخرج المرأة للعمل (أي عمل) لتطعم صغارها وإن كان بيع جسدها.

 

فإذا عملت المرأة عملا مشروعا وأنفقت على عيالها تحسب نفقتها لها صدقة، فعن زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله، أيجزئ عنا أن نجعل الصدقة في زوج فقير، وأبناء أخ في حجورنا، فقال لها رسول الله ﷺ: «لَكِ أَجْرُ الصَّدَقَةِ، وَأَجْرُ الصِّلَةِ».

 

2) وقد أوجب الإسلام على ولي المرأة أن ينفق عليها ويوفر لها الحياة الكريمة ضمن حدوده وقدراته، حتى لو كانت غنية، فهي مسؤولة من أبيها ثم من أخيها ثم من زوجها ثم من ابنها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، هذه القوامة التي أزعجت الغرب فحاربها محاربة شرسة، وجند لها كل طاقاته، لينال هدفه من المرأة ويستخدمها في هدم الأجيال الإسلامية.

 

3) أما إذا فقد المعيل ولم يكن للمرأة ولي يعيلها فهل تصبح الآن مكلفة بالعمل والإنفاق اضطرارا؟

 

فإننا نستنتج الجواب من قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع المرأة وصبيتها الجياع، إذ خرج عمر يتفقد حال رعيته كما يجب أن يفعل الحاكم المسؤول، فوجد امرأة وحولها صغار يتصايحون، فاقترب منها وسألها عن ذلك، فردت بأنها توهمهم بأنها تطبخ حتى يتعبوا ويناموا، فنزل الأمر مثل الصاعقة على عمر الذي يخشى من الله أن يحاسبه عن ناقة عثرت، ثم يذهب ويحضر الطعام بنفسه ويطبخ لها ولصغارها ويطعمهم بيده حتى يشبعوا. فالمرأة التي لا معيل لها الدولة هي معيلها، وإن الحاكم إن قصر فإنه آثم.

 

كما كفل الإسلام إعالة كل فقير؛ أرملة أو غيرها من خلال نظام النفقات الذي شرعه رب العالمين ليكون حلا للفقر والعوز والحاجة، ففرض على الأغنياء إعالة الفقراء رجالا ونساء على حد سواء. قال ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

 

4) ثم إننا سوف نجد في دولة الإسلام اهتماما كبيرا بإيجاد فرص عمل للرجال بأجور كافية توفر لهم ولأسرهم العيش الكريم، فلا تضطر النساء للخروج إلى سوق العمل للنفقة على بيوتهن أو لمساعدة أزواجهن في المصاريف، وعندها تتفرغ المرأة لرعاية أولادها وتنشئتهم التنشئة القويمة، فتخرج منهم العلماء والعظماء والقادة الفاتحين كالشافعي، ومحمد الفاتح وغيرهما.

 

5) ومن جهة أخرى، إذا ابتليت المرأة بزوج سيئ شحيح يقتر في الإنفاق عليها، فإن الإسلام قد أباح لها أن تأخذ من ماله دون إذنه ما يكفيها وعيالها بالمعروف، فعن عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». كما أن القاضي يلزمه بالإنفاق عليها إن هي اشتكت عليه.

 

6) والمرأة في الإسلام لها ذمتها المالية الخاصة، ولا يجوز لأي شخص أن يسيطر على مالها أو يأخذ منه شيئا إلا عن طيب خاطر منها، ويحق لها التصرف فيه بالهبة أو الأعطية أو الإنفاق كما تحب.

 

هذا هو الإسلام وهذه تشريعاته، ويبقى الخيار للمرأة، فعليها أن تختار بين أن تكون مستهلَكة ومستعبدة وبين أن تكون ملكة متوجة يتسابق الجميع على خدمتها ورعايتها.

 

اللهم عجل بدولة الإسلام - دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة - وأحينا في ظل أحكام الإسلام معززين مكرمين. اللهم آمين.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رولا صلاح – الأرض المباركة (فلسطين)

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع