الأحد، 21 ذو القعدة 1441هـ| 2020/07/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سكك الحديد، بين إنجازات الخلافة وأحلام العبيد

 

بكل لوعة وأسى، تابعنا كلام رئيس تونس قيس سعيد أثناء زيارته لفرنسا وهو يتباهى بما نهله من بحور الأنوار والمعرفة الفرنسية وبمشاركته في كبرى اللقاءات والمؤتمرات الدولية حول القانون الدستوري، وقد بدا وكأنه يقدم نفسه على أنه تجاوز بورقيبة بأشواط كبيرة في التشرب من ثقافة الأعداء، بل وكأننا أمة بلا دين ولا تشريع ولا حضارة، نعيش على الهامش، ونقتات على فتات ما تنتجه الحضارات الأخرى من أفكار ومفاهيم ودساتير ونماذج حكم، ما يؤكد مقولة ابن خلدون رحمه الله: "المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".

 

تابعنا أيضا بحجم أكبر من اللوعة والأسى، فضلا عن حرارة اللقاء زمن كورونا وتقبيل أكتاف ماكرون، مستوى خطابه المتملق الذي لم يقف عند الاستشهاد بمقولات مجرم الحرب شارل ديغول صاحب مقولة: "اقصف بسرعة وبقوة"، ولا عند الإشادة بعميد الفقه الدستوري الفرنسي جورج فيدال، ولا عند الدعوة المباشرة والصريحة إلى نسيان جراح الماضي (هكذا وبكل بساطة!)، بل وصل به الحد إلى أن يصوّر الاستعمار الفرنسي لتونس على أنه حماية للبلد وأهله، في سياق ادعاءات "قانونية" كاذبة خاطئة، ومحاولة فاشلة لحذف صفحات سوداء من تاريخ الاحتلال الفرنسي كتبت بأحرف من دماء الشهداء التي روت أرض الزيتونة، وينطق بها كل ركن من أركان هذه البلاد الإسلامية.

 

ما يملأ القلب حسرة، فضلا عما بدر من فقيه الدساتير المستوردة من كلام وما أثاره من سخط شعبي، هو مستوى أحلام هذا الرئيس الذي ما فتئ يُحدّث شعبه عن صعود شاهق في التاريخ، إلا أن أحلامه التي عبّر عنها ضمن أوّل لقاء له برئيس الدولة التي كانت ولا تزال تناصبنا العداء، لم ترتق إلى مستوى طموحات الباحثين من أهل بلده في مخابر فرنسا، بل لم ترتق إلى مستوى تطلعات أبناء الأمة في القرن التاسع عشر، أي منذ مائتي عام تقريبا حين كانت للمسلمين دولة، بل عكست حالة مخجلة من الضياع والتخلف الحضاري قد يكون مأتاها "عقدة الخواجة" التي تحكم عقليات حكّامنا منذ هدم دولة الخلافة العثمانية، بحيث لا يرى الحاكم لنفسه قدرة على الفعل والإنجاز إلا بمعية المستعمر الأجنبي وتحت إشرافه، فلا حول ولا قوة له إلا بالاستعمار، ولا ولاء إلا له، ولا طاعة إلا لأوامره.

 

فممّا جاء في تصريحات الرئيس قيس سعيد خلال ندوته الصحفية المشتركة في قصر الإليزيه مع نظيره الفرنسي حديثه عن حلم تشييد خط قطار سريع يربط بنزرت بالجنوب التونسي، منوّها باستعداد رئيس فرنسا للمساعدة على تحقيق هذا "الحلم الكبير". حيث قال بالحرف الواحد: "شكرا على استعداده لتحقيق هذا الذي يبدو لنا اليوم حلما".

 

فعن أي صعود شاهق في التاريخ هذا الذي يتحدث عنه قيس سعيد وهو يريد إعادة شعبه إلى أحضان الاستعمار وتحت "حمايته" ورعايته؟ ألا يستبطن كلامه عن الحماية وعن ضرورة نسيان جراح الماضي رغبة حقيقية في عودة الاستعمار وحنينا إلى رعايته لتمنّ علينا فرنسا بمدّ شبكات القطار السريع في البلد كما فعلت في وقت سابق؟

 

صحيح أن الاستعمار هو من وضع هذا النظام على مقاسه لرعاية مصالحه في بلادنا، فلا يصل إلى الحكم إلا أكثر الناس قدرة على حراسة المعبد الديمقراطي، ولكن ربّما كان على هذا الرئيس الحالم، أن يعيد فتح كتب التاريخ من جديد، ويقرأ عن سكك الحديد، وعن أيام العز التي كان يعيشها المسلمون أيام السلطان عبد الحميد رحمه الله، قبل أن يقتل الاستعمار أمّهم ويجعلهم كالأيتام على مأدبة اللئام، يحكمهم أكثر الناس انضباعا بثقافة أعدائهم وأجهلهم بأحكام دينهم!

 

لقد أدرك السلطان عبد العزيز رحمه الله جيّدا وفي وقت مبكر معنى ربط البلاد الإسلامية بشبكات السكك الحديدية، فشرع في مزاحمة دولة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم آنذاك، وهي بريطانيا، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، حيث ظهرت السكك الحديدية لأول مرة في العالم في إنجلترا عام 1825م، وكانت مبكرة جدا مقارنة بالدول الكبيرة الأخرى، بل لقد أدى ظهور هذه الثورة الصناعية في بريطانيا، إلى تغيير أحوال العالم، حيث تمكنت بريطانيا من استعمار بعض الدول الضعيفة وقامت بإنشاء سكك حديدية فيها ﻹرسال الجنود.

 

ولذلك كان إنشاء أول خط سكة حديدية في الدولة العثمانية في اﻷناضول بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر 1856م، وامتد بطول 130 كيلومتراً في اﻷناضول، و389 كيلومتراً فيما بين قسمي "فارنا - روسيا" و"كوستنجا - تونا".

 

ثم راح السلطان عبد الحميد رحمه الله يسير على خطا سلفه في تشييد السكك الحديدية بنيّة توحيد المسلمين برّا ومحاولة الإسراع بمنع تآكل أطراف الدولة وقضم أراضيها، مع محاصرة نفوذ بريطانيا بحراً، ليشيّد أكبر مشروع سكك حديدية في تاريخ الدولة العثمانية المعروف بسكة حديد الحجاز، والذي صار لاحقا كابوسا حقيقيا للإنجليز.

 

فمن محطة "حيدر باشا" التي تم إنشاؤها في عام 1900م كبداية لانطلاق مشروع "سكة حديد الحجاز"، ينطلق القطار من إسطنبول إلى محطة قطار في المدينة المنورة (لا تزال قائمة حتى يومنا هذا) متحدياً المكان والزمان، فيقطع المسافة في 3 أيام وقد تصل إلى 5 أيام في حال توقفه في استراحات دمشق، معان أو مدائن صالح، بعد أن كان يقطعها بمدة ما بين شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر.

 

وهكذا أراد السلطان عبد الحميد رحمه الله تمكين الحجاج المسلمين من الوصول بسهولة وأمان إلى مكة خلال موسم الحج. وكان المسلمون قبل ذلك يسافرون لأسابيع طويلة إن لم يكن شهوراً على ظهور الجمال. وكانت المسافة الممتدة بين دمشق والمدينة وحدها تستغرق 40 يوماً، وكان الكثير من الحجاج يلقون حتفهم في الطريق عبر الصحاري الجافة والجبال الجرداء. فجاءت فكرة السكك الحديدية لتقصر المسافة من 40 يوماً إلى خمسة أيام فقط. وبعد اكتمال المقطع الممتد بين دمشق والمدينة، كانت الخطة هي مد الخط شمالاً إلى العاصمة العثمانية القسطنطينية وجنوباً إلى مكة ذاتها. كما لم تكن سكة حديد الحجاز للقطار فقط بل أيضا للتلغراف (إنترنت ذلك العصر).

 

إن أهمية السكك الحديدية للمسلمين لم تتوقف عند ذلك الحد. فالمشروع الذي كان خارقاً للمألوف كمشروع للمواصلات في ذلك العصر، تم تمويله بالكامل من تبرعات المسلمين، ومن عائدات وضرائب الدولة العثمانية وبدون أي "استثمار" أجنبي، وبسواعد أبناء الأمة، بل أضيف إلى ذلك كله مشاركة الجنود بشكل طوعي في تشييد السكك وإحالتهم بعد ذلك على التقاعد، حتى لا يستضيء الخليفة بنار المشركين ويخضع لابتزازاتهم.

 

ولكن فور إعلانه عن المشروع، شنت الصحف اﻷوروبية حملة تهكم كبيرة على السلطان ومشروعه، بهدف ثني السلطان عنه، وإسقاط الدولة العثمانية، فأرسلت بريطانيا جواسيسها لتخريب هذا المشروع خاصة وأنه قد بدأ أيضا العمل على خط سكة حديد بغداد - برلين التي كان من المقرر ربطها بالخط الأوروبي لتصل إلى مدينة برلين عاصمة الإمبراطورية الألمانية. واجه المشروع عدداً من الصعوبات والمعوقات، على رأسها الاعتراض الإنجليزي والروسي، إذ رأت الإمبراطورية البريطانية تهديداً استراتيجياً لهيمنتها على خطوط المواصلات البحرية.

 

ولذلك يقول السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم مدة 33 عاماً أنشأ خلالها أكثر من 10 سكك حديدية ربطت عاصمة الخلافة بفينا وبغداد والمدينة المنورة كما ربطت الشام بحماة ويافا بالقدس، يقول معلقاً على السكك الحديدية: "أسرعت في إنشاء السكك الحديدية في اﻷناضول بكل قوتي، هدف هذا الطريق هو ربط بلاد ما بين النهرين وبغداد باﻷناضول، والوصول إلى خليج البصرة، وقد نجح هذا في ظل مساعدة الألمان، وقد عرضت معادننا في السوق الدولي ولاقت استحسانا كبيرا... وحتى لو رفضت الدول الكبيرة الاعتراف بهذا فإن أهمية السكك الحديدية ليست فقط اقتصادية وإنما هي أيضا سياسية".

 

وعن طريق ربط الشعوب الخاضعة للخلافة العثمانية، كان هدف السلطان عبد الحميد ليس فقط توحيد المسلمين بل أيضاً استعادة وحدة الدولة والحيلولة دون سقوطها. لكن ذلك لم يتحقق بعد تحالف خونة الداخل مع أعداء الخارج. ففي عام 1908م، انطلق أول قطار من دمشق إلى المدينة، وفي العام التالي تمت الإطاحة بالسلطان عبد الحميد رحمه الله.

 

وهكذا، صارت الخلافة إمبراطورية، وصار الفتح الإسلامي احتلالا وصار الاستعمار العسكري الغاشم حماية، وراحت مناهج التعليم تروج لثقافة الاستعمار وتعينه في حملات الغزو الفكري والثقافي للمسلمين، كما اندثرت حقبة اختفاء الحدود بين البلدان المختلفة التي فرضها مشروع طريق السكك الحديدية الذي كان يمر عبر خمسة بلدان (تركيا وسوريا والأردن وفلسطين والسعودية).

 

فبعد أن بدأ الجيش العثماني استخدام القطار في الحرب العالمية الأولى، أدى الصراع إلى قطع ذلك الطريق الحديدي، حيث هاجم الضابط الإنجليزي المعروف بلقب لورانس العرب خط السكة الحديد جنباً إلى جنب مع جنود خلال ما عُرف بـ (الثورة العربية الكبرى). ووصلت السفن اﻹنجليزية محملة بالديناميت إلى البحر اﻷحمر لتفجير سكة حديد الحجاز على يد لورانس الخبير باستخدامها، وبدأ بتدمير شريان الحياة اﻹسلامية خط سكة حديد الحجاز في عام 1916م، بعد ثماني سنوات من الحياة توقفت هذه القاطرة إلى اﻷبد. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وتقاسم البريطانيون والفرنسيون بلاد الشام فيما بينهم، ضمن ما عرف باتفاقية سايكس-بيكو، لم يكن الحفاظ على السكك الحديدية من أولويات المسلمين، فقد أصبحت معظم خطوط السكك الحديدية متهالكةً نتيجة الإهمال المتعمد من قبل الأنظمة الراعية لمصالح الاستعمار، وقد بقي الأمر على ذلك الحال إلى يوم الناس هذا، لتقتنع الشعوب بأنه لا مجال لمد سكك الحديد من جديد، إلا عندما تتكرم علينا القوى الاستعمارية!

 

إن من يجهل أو يتجاهل هذه الصفحات المشرقة من التاريخ الإسلامي ابتغاء للعزة أمام أعداء الأمة الإسلامية وسعيا لكسب ودّ القادة الصليبيين ممّن يناصبونها العداء، هو أشبه بالغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة ففشل ونسي مشيته الأصلية. قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾. بل إن هؤلاء العبيد مهما حاولوا التذلل والتقرب والتمسح على أعتاب أسيادهم، فإنهم لن يرضوا عنهم حتى يردّوهم من بعد إيمانهم كفارا. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

 

ثم إنّه لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يوقف مسار الاستعمار وجرائم الاحتلال وصفعات القرن المتتالية، إلا دولة ذات سيادة لا تخضع لقرارات العواصم الغربية، ولا تنتظر تلقي دروس من أحد، فتنبري جهود أبنائها من أحفاد الفاتحين لاستكمال ما بدأه أجدادهم في مد سكك الحديد، وهم يستشعرون عزة دولة عظمى كانت تعمل وتبني كل ما تراه في صالح الدولة ورعاياها مستحضرين قوله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.

 

ولذلك، فالأجدر بمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أن يكف عن وضع قطار بلاده على سكة الكافر المستعمر، بدعوى الصلاح والإصلاح واتباع الخلفاء الراشدين، فالأصل أن يعتز بعقيدته وإيمانه، فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وأن يلتحق بقطار الخلافة ودعوتها العابرة للقارات بدل انتظار وعود بريطانيا الماكرة وفرنسا المجرمة، فإنّ نصر الله آت لا محالة، وعد الله لا يخلف الله وعده.

 

ختاما، إن دولة الخلافة الراشدة الموعودة التي صرنا نراها رأي العين، لهي دولة العاملين لا دولة الحالمين، وإن في السعي لإقامتها الأجر العظيم في الدنيا والفوز والنعيم في الآخرة. ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. وسام الأطرش - ولاية تونس

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع