ولتذكري رمضان الخير - خاطرة شعرية
- نشر في ثقافية
- قيم الموضوع
- قراءة: 528 مرات
يقول الحق جل وعلا في محكم آياته: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) والكَبَدُ والمكابدةُ والمعاناةُ هي أبرزُ سماتِ الحياةِ الدنيا، لأن الدنيا دارُ عملٍ وابتلاء، ولا يفارقُ الكبَدُ الإنسانَ في مختلفِ مراحل عمره، بمختلِفِ أنواع المكابدةِ والبلاء، وهذا يقتضي من الإنسان الصبر.
والصبر فرضٌ على المؤمنِ، قال الله تعالى آمراً المؤمنين بالصبر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه أحمد: (إن اللهَ عز وجل إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمَنْ صبرَ فله الصبرُ، ومن جَزِعَ فله الْجَزَعُ)، فالإنسان أمام الابتلاء إما صابرٌ رغماً عنه كما تصبر البهائم، وإما صابرٌ محتسبٌ راضٍ بما أراد الله سبحانه، وهو الذي له الصبرُ كما في الحديث الشريف، أي له ثمرةُ الصبرِ أيْ أجرُهُ وثوابه.
والابتلاء ويليه الصبرُ علامةُ محبةِ الله تعالى لعبده كما في الحديث، ومقابلُ الصبرِ هو الْجَزَعُ أي القنوطُ، وهو حرامٌ شرعاً، قال الله تعالى: (قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ، قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ).
وأنواع الابتلاء كثيرة، قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، وهنا تأتي البشارة للصابرين من الله تعالى، وهم الذين يحبسون أنفسهم على الرضا بما ابتلاهم الله به من خوف أو جوع أو نقص في الأموال أو الأنفس أو الثمرات، ولكن جزاء هؤلاء عظيم: عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة، بل زاد على ذلك بوصفهم بالمهتدين، فضلاً عن أن الصابر يُوَفـَّى أجرَهُ بغير حساب كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)، والجنة جزاء الصابرين: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)، والنصرُ مقترنٌ بالصبر، فلا يقفُ الأمرُ عندَ حدِّ البأساء والضراء، بل إنه يتجاوزه إلى مرتبة الزلزلة، التي تمحّصُ القلوبَ والصدورَ، وهذه سنة النبيين والصالحين من بعدهم، أنْ يُبْتَلَوْا فيصبروا ويحتسبوا، فينالوا رضوانَ الله تعالى، وعُلُوَّ الدرجةِ والمنزلةِ، فهنيئاً للصابرين منزلَتَهم العظيمةَ عند الله تعالى، وهنيئاً لهم أجرَهم غير المحدود وغير المنتهي.
فمنْ أولى من الصائم بالصبر والاحتساب نظراً لما يعانيه طول نهاره من جوعٍ وعطشٍ وبُعْدٍ عن الملذات والشهوات، ويتعلَّقُ التعلُّقَ الشديدَ بالله تعالى أكثر وقته من نهارٍ أو ليل؟
لقد أججت الهجمات التي نفذها المتطرف النرويجي بريفيك الكراهية العميقة في أوروبا تجاه الإسلام، في استخفاف بأحد المبادئ الرئيسية للقيم الغربية، وهي الحرية الدينية.
إنّ ذم الإسلام بسبب جريمة بريفيك ليس حدثا معزولا عما تود أن تصوره وسائل الإعلام الغربية، وعلى العكس من ذلك، فغوغائية بريفيك وآراؤه تنم عن كراهية الإسلام وهي نتاج للحضارة الغربية التي تلقى صدى لدى الكثيرين في الغرب، ويمكن رؤية ذلك بوضوح في طريقة تغطية وسائل الإعلام الغربية للحدث، فقد سارع الإعلام "وخبراؤه" إلى اتهام الإسلام والمسلمين بالمسئولية عن الهجوم، وقد أدى ذلك إلى إحداث هيجان ضد الإسلام والمسلمين مما أدى إلى عدة اعتداءات جسدية على المسلمين في النرويج، وكما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية عن الأمين العام للمجلس الإسلامي النرويجي، مهتاب افسار القول "سمعنا بالفعل أنّ بعض المسلمين قد تعرضوا للضرب في أوسلو، وقد اتصلت بي بعض النساء كن خائفات وطلبن المساعدة " فالهجمات ضد المسلمين ظهرت مباشرة بعد بث الكراهية بسبب جريمة الأصولي المسيحي، انديرس بهرنغ بريفيك والتي اتهم فيها المسلمون.
وفوق ذلك فقد عبر بعض الساسة الأوروبيين علنا عن دعم آراء بريفيك المعادية للمسلمين، فقد قال جاك كوتيلا، عضو في حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني "إنّ السبب وراء الهجمات الإرهابية في النرويج هو محاربة الغزو الإسلامي، وهذا ما لا يريد الناس لك أن تعرفه". كما وصف كوتيلا بريفيك بأنه "المدافع الرئيس عن الغرب"، وفي ايطاليا قال فرانشيسكو سبيريني، وهو عضو بارز في دوري ايطاليا الشمالية وحليف/ الشريك في ائتلاف برلسكوني المحافظ "أفكار بريفيك هي الدفاع عن الحضارة الغربية"، كما قال البرلماني ماريو بورجازي الأوروبي "إنّ بعض الأفكار التي عبر عنها بريفيك جيدة، وما عدا العنف فإنّ بعضها عظيم"، وهذه ليست المرة الأولى التي يؤيّد فيها السياسيون الايطاليون الانتقادات الموجهة ضد الإسلام، فقبل بضع سنوات، أشاد وزير الدفاع الايطالي انطونيو مارتينو فالاتشي الذي كتب كتابا بعنوان "الغضب والكبرياء" وصف المسلمين بأنهم "مخلوقات خسيسة تبول في صحن الكنيسة"، و قال "بأنّهم مثل الجرذان".
لا شك أنّ وجهات النظر هذه هي التي تدفع نحو التطرف، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تشكيل السياسات الداخلية للحكومات الغربية على نحو معاد للمسلمين، كحظر الحجاب وفرض قيود على بناء المساجد والتجسس الصارخ على الجاليات المسلمة والسجن للمسلمين دون محاكمات، وغيرها من الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومات الغربية ضد المسلمين.
يدّعي الغرب أنّ الأفراد أحرار في عبادة "الإله" الذي يختارونه وفي ممارسة طقوس عبادتهم مهما كانت، وقد أدى هذا المفهوم إلى نزاعات دائمة بين الناس، لأنّ المعتقدات والممارسات الدينية من قبل البعض يمكن أن تتضمن الهجوم والإساءة للآخرين، وبالتالي، فإنّ الحكومات الغربية تتدخل باستمرار في الخلافات وتلجأ إلى التشريعات لحماية الحقوق الدينية لبعض الناس، وفي الوقت نفسه تحرم الآخرين، وفي كثير من الأحيان، فإنّ المستفيد الحقيقي من حرية التدين هم أفراد أو جماعات ممن تتقاطع معتقداتهم مع مصالح الحكومات، أو أولئك الذين يمتلكون القدرة على التأثير على الحكومات، هذا هو أحد الأسباب التي تقف خلف السماح لمؤسسات كثيرة في الغرب بمهاجمة الإسلام بسبب خطابهم الناري والسياسات العنصرية، فهي تتواءم بشكل كامل مع حرب الغرب على الإسلام التي لم تنته بعد، ومع ذلك، فلو اعتدى الإعلام الغربي أو مؤسساته العديدة على اليهود أو دولتهم فإن الحكومات الغربية تتخذ إجراءات صارمة وسريعة للحد من إهانتهم.
وبالمثل، فإنّ الحكومات الغربية تتعامل مع الحرية الدينية كجزء من جدول أعمال سياستها الخارجية، لفتح المجتمعات المغلقة أمام القيم الغربية، وتتجاهل الحرية الدينية عندما لا تتفق مع مصالحهم، ففي حالة الانتفاضات العربية وذبح المسلمين على أيدي عملاء الغرب، فقد اختار الغرب تمييع رده، ما دام المتظاهرون من أنصار الإسلام وليس الديمقراطية، وهذا النفاق لا يؤدي إلا إلى التأكيد للمسلمين بأنّ أمريكا وأوروبا لا تسعيان إلا لتدمير القيم والشعائر الإسلامية.
والإسلام من ناحية أخرى لا يعتقد فكرة خيالية لحرية الدين، حيث حفنة من الرجال يقررون المعتقدات التي لا تتعارض مع الناحية القانونية والمعتقدات والممارسات التي تخضع للنقد والتشريعات، بل إنّ الإسلام ينص على أنّ الحياة والعرض والدم والملكية والمعتقدات والأعراق محمية من قبل الدولة الإسلامية.
فجميع حقوق المواطنين في دولة الخلافة مكفولة لهم، بغض النظر عما إذا كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، كما يحمي الإسلام حقوق غير المسلمين في العبادة دون أي خوف من العقاب أو المضايقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من آذى ذميا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله)) ولذلك يحظر على أي مسلم إهانة غير المسلمين أو الإضرار بأماكن عبادتهم، والتاريخ الإسلامي شاهد على قدرة الإسلام على ضمان الحقوق الدينية لغير المسلمين تحت ظل الخلافة، ويكفي أن نتأمل مثال اسبانيا وفلسطين لنجد أنّ اليهود والمسيحيين عاشوا بسلام مع المسلمين في ظل الحكم الإسلامي.
وبالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب أو المقيمين في العالم الإسلامي، فإنّ عليهم أن يضاعفوا جهودهم لإقامة الدولة الإسلامية، فالدولة الإسلامية وحدها القادرة على حماية حقوق المسلمين، سواء من يختارون العيش داخل حدود الدولة أو خارجها.
عابد مصطفى
تجري في القاهرة محاكمة الرئيس المصري المخلوع في ظل استعدادات أمنية مشددة، بعدما تقرر إحضاره للمحكمة في القاهرة لتجنب أي احتقان شعبي، كما ذكرت صحيفة الجريدة اليوم الثلاثاء، واعتبرت الجزيرة نت (2/8) أن المحاكمة تمثل لحشود المتظاهرين "بمثابة تتويج لصراعهم من أجل حرية حقيقية".
***
لا شك أن مبارك يستحق أقصى العقوبة من الأمة ليكون عبرة لمن خلفه من الحكام، وخصوصا أولئك الذين ينكلون بشعوبهم اليوم ويجندون أجهزتهم الأمنية المتغولة ضد الناس الرافضة للذل والهوان. وهو إضافة إلى مسيرة إجرامه بحق أهل مصر وتجويعهم وقمعهم وتضليلهم، ومنعهم من تطبيق الإسلام، أجرم بحق أهل فلسطين: فهو الذي مهد الطريق لاتفاقيات الذل التي تمخضت عنها سلطة تحت الاحتلال، وهو الذي ظل يحرس حدود هذا الاحتلال طيلة عقود. وكان شريكا مع كيان الاحتلال في حرب غزة عندما أعلنت ليفني الحرب من القاهرة بعد اجتماعها معه، وأحكم الحصار الظالم على غزة متذرعا باتفاقيات باطلة. وهو الذي منع أهل مصر من التحرك للقيام بواجبهم من أجل تحرير فلسطين، فيما ورّط جيش مصر في حرب الخليج الأولى لتدمير العراق، وهو الذي تآمر مع الحكام العرب ضد عودة الإسلام عزيزا في واقع الحياة، وهو الذي جمع الحكام في قمة شرم الشيخ لإعلان الحرب على الإسلام تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، وظل سمسار أمريكا المخلص طيلة عقود حكمه، في قائمة لا تنتهي من الجرائم النكراء بحق الأمة.
ومع ذلك فإن مثل هذه المحاكمات في مصر وتلك التي حوكم فيها بن علي في تونس، ليست سوى أمر يسير مما تستهدفه الأمة من العزة والكرامة والتحرر من هيمنة الحكام، ولا يمكن أن تمثل تتويجا لثورتها ضد هؤلاء الحكام المستبدين. لان مثل هذه المحاكمات، على أهميتها في تلقين الحكام الآخرين درسا قاسيا، وفي شفاء صدور قوم مؤمنين، من الذي تعرضوا للتنكيل والقتل والتجويع تحت حكم مبارك، تبقى أمرا شكليا بالمقارنة مع جوهر تغيير النظام. ولن تفلح محاولات إسكات الناس عن مطالب التغيير الجذري من خلال هذه المحاكمات، وقد كانت واحدة من مطالب الناس الذي احتشدوا في ميدان التحرير ولم تكن مطلبهم الأوحد.
إن النظام في مصر كما في تونس لم يتغير حتى الآن، وكل الذي تغير هو شخوص القابضين على مفاصل الحكم، ولذلك يجب على الأمة أن تغذ السير وتعلي الصوت مع المثابرة في ثورتها حتى تحقق التغيير الجذري، ولا ترضى بعمليات تجميل سطحي لهذه الأنظمة المتهالكة. ولا يتم التغيير الجذري إلا عندما تستعيد الأمة كامل السلطان المغصوب، وتطبق الشريعة كاملة غير منقوصة، وذلك لا يتحقق إلا بإقامة الخلافة الإسلامية التي توحد الأمة وتحرر بلادها. وعندها ستجمع الخلافة كل الحكام والمتآمرين في أقفاص محاكمها لتطبق عليهم حكم الله، وتقتص منهم للأمة، وتحارب من نصبهم فوق رقابها من دول الكافرين المستعمرين:
"قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"
الدكتور ماهر الجعبري - عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين